أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

462

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

القطع في قوله « وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ » على ما سيأتي هو لبيان فضلها أيضا ، لكن على هذا الوجه يجب أن يكون الخبر قوله : « يُؤْمِنُونَ » ، ولا يجوز أن يكون قوله : « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ » لأن القطع إنما يكون بعد تمام الكلام . قال مكي : « ومن جعل نصب « الْمُقِيمِينَ » على المدح جعل خبر « الراسخين » : « يُؤْمِنُونَ » ، فإن جعل الخبر « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ » لم يجز نصب « الْمُقِيمِينَ » على المدح ، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام » . وقال الشيخ « 1 » : « ومن جعل الخبر : أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيف » قلت : هذا غير لازم ، لأن هذا القائل لا يجعل نصب « الْمُقِيمِينَ » حينئذ منصوبا على القطع ، لكنه ضعيف بالنسبة إلى أنه ارتكب وجها ضعيفا في تخريج « الْمُقِيمِينَ » كما سيأتي . وحكى ابن عطية عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف ، والقطع لا يكون في العطف ، إنما ذلك في النعوت ، ولما استدلّ الناس بقول الخرنق : 1682 - لا يبعدن قومي الّذين هم * سمّ العداة وآفة الجزر « 2 » النّازلين بكلّ معترك * والطّيّبون معاقد الأزر على جواز القطع فرّق هذا القائل بأن البيت لا عطف فيه ؛ لأنها قطعت « النازلين » فنصبته ، و « الطيبون » فرفعته عن قولها « قومي » ، وهذا الفرق لا أثر له ؛ لأنه في غير هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف ، أنشد سيبويه : 1683 - ويأوي إلى نسوة عطّل * وشعثا مراضيع مثل السّعالي « 3 » فنصب « شعثا » وهو معطوف . الثاني : أن يكون معطوفا على الضمير في « مِنْهُمْ » أي : لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة . الثالث : أن يكون معطوفا على الكاف في « إِلَيْكَ » أي : يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء . الرابع : أن يكون معطوفا على « ما » في « بِما أُنْزِلَ » أي : يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبالمقيمين ، ويعزى هذا للكسائي . واختلفت عبارة هؤلاء في « الْمُقِيمِينَ » فقيل : هم الملائكة . قال مكي : « ويؤمنون بالملائكة الذين صفتهم إقامة الصلاة كقوله : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ « 4 » . وقيل : هم الأنبياء ، وقيل : هم المسلمون ، ويكون على حذف مضاف أي : وبدين المقيمين . الخامس : أن يكون معطوفا على الكاف في « قَبْلِكَ » أي : ومن قبل المقيمين ، ويعني بهم الأنبياء أيضا . السادس : أن يكون معطوفا على نفس الظرف ، ويكون على حذف مضاف أي : ومن قبل المقيمين ، فحذف

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 395 ) . ( 2 ) انظر البيتين في ديوانها ص ( 29 ) وهما من شواهد الكتاب ( 1 / 202 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 244 ) ، المحتسب ( 2 / 198 ) ، الإنصاف ( 2 / 468 ) ، أوضح المسالك ( 2 / 76 ) ، التصريح ( 2 / 116 : ، الأشموني ( 3 / 68 ) ، - - الهمع ( 2 / 129 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 65 ) ، والجز جمع جزور وهي الناقة تجزر . والمعترك موضع ازدحام الناس . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 20 ) .